Méta :

Search

من أجل تكريم حقيقي للمدرس

janvier 2nd, 2009 by cfieljadida2009

من أجل تكريم حقيقي للمدرس

أشرف سالم

بحكم أنني معلم سابق، أعرف جيدًا حجم ومغزى الرسالة المنوطة بالمعلم ومدى الجهد الذي يقدمه المعلم المخلص ، والعناء الذي يكابده لتحقيق غايته ·· لكن ما حاجتي كمعلم لأن يهديني تلاميذي في أحد أيام السنة، وبتوجيهات من الوزارة والإدارة، بعض البطاقات الملونة والزهور البلاستيكية·· إذا كان هؤلاء التلاميذ أنفسهم يذيقونني على مدار العام الأمرَّين من السخرية والعصيان والتمرد والتحدي وغيرها من الأمور التي لا تخفى على أحد، إلا الذين يحرصون دائمًا على دفن رؤوسهم في الرمال ويضعون المعلمين في أسوأ دركات المهانة

يسوقني التباين الشديد بين التكريم الصاخب وبين الواقع الأليم إلى الفارق بين نظرة شاعرٍ حكيمٍ رقيق يعرف قدر المعلم ويرفعه إلى مقام القدسية ، وبينَ شاعرٍ معذّب قاسى مهنة بل محنة التدريس ؛ إذ يقولُ أمير الشعراء في تكريم المعلم :
قم للمعلم وفِّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أفضل أو أجل من الذي يبني ويُنشئ أنفسًا وعقولا
فلا يسعُ الشاعر المدرس إبراهيم طوقان إلا أن يرد على أمير الشعراء في قصيدةٍ ساخرةٍ مؤثرةٍ تستعرض طرفًا من معاناته وكان مما جاء فيها:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي قم للمعلم وفه التبجيلا
ويكاد يفلقني الأميرُ بقوله كاد المعلمُ أن يكون رسولا
لو جرَّب التعليمَ شوقي ساعةً لقضى الحياة كآبةً وعويلا
يا من تريد الانتحار وجدته إن المعلم لا يعيش طويلا
ولعلي أنطلق من تجربة طوقان الذي عاش حياته كلها معلمًا حتى قضت عليه المهنة، وبين تجربتي الشخصية، وقد كنت أسعد منه حظًا ففررت مبكرًا من براثن المهنة القاتلة، ورغم قصر عمري فيها فلم أحرم من مكابدة بعض ما عاناه وكم شكوت وغيري من الزملاء المدرسين للمسؤولين من مشاغبات الطلاب التي تعكس روح التمرد المتعمد، وتحول بيننا وبين أداء الدرس في ظل غياب الوازع الأخلاقي أو الرغبة في التلقي أو وسيلة الردع أو التدخل الإداري لمساعدتي في أداء مهمتي·· والمؤسف أنني عندما سألت مسؤولي المدرسة وكذلك الموجهين عن الحل وكيف أقوم بأداء عملي ورسالتي التعليمية؟ وجدتُ موقفًا سلبيًا غريبًا وسمعت كلامًا غير مسؤول يُفهم منه أن مهمتي الرئيسية هي أن أمضي دقائق الحصة الخمسين بسلام !
ولدى كل المدرسين عشرات القصص المشابهة عن المعاناة التي يلاقيها المدرس بسبب تواري قيم التوقير والاحترام له بين الأجيال المعاصرة من التلاميذ·· وتقاعس الأجهزة الإدارية والتربوية في المجتمع عن تقديم الدعم للمدرس رغم سعيها لتكريمه بمظاهر احتفالية زائفة ·
فلو صدق ما قاله القُصّاص والحكواتية عن نوادر المعلمين والمؤدبين ، لماتت هذه الأمة منذ زمن، ولما وصل إلينا علمٌ ولا عالم، ثم ما من طائفةٍ من أصحاب المهن - بلا استثناء - إلا وقد تعرّضت هذه النوادر لها بالتعريض والسخرية، فلماذا لا يجني التجار والأطباء والقضاةُ وغيرهم حصاد تاريخ أسلافهم ويُكتب ذلك فقط على المدرسين؟ ·· ثُم ألم يحمل لنا التاريخ - الحقيقي - عشرات القصص المشرّفة عما كان يحظى به المعلمون من إجلالٍ وتقدير على مر العصور، ولعل قصةً واحدة مشهورة لدينا جميعًا تقدم لنا أبلغ الدليل على ذلك وهي قصة الخليفة العباسي هارون الرشيد ، وقد رأى ذات مرة ابنيه الأمين والمأمون ـ الخليفتين من بعده ـ يتسابقان على حمل نعال مؤدبهما فقال لوزيره : أتدري من أعزُ الناس؟ فقال الوزير: ومن أعزُ من أمير المؤمنين؟ فقال له : أعزُ الناس من يقتتلُ وليّا عهد المسلمين على حمل نعليه” ·
هكذا كانت مكانةُ المعلمين قديما· ثم يأتينا بعد ذلك من يقول لك : إن سبب التراجع في مستوى احترام وتقدير المعلم هو المعلم نفسه! ·· فالكثير من مدرسي هذه الأيام غير جديرين حقا بالتوقير· فشخصيتهم ضعيفة وحصيلتهم العلمية متواضعة وقدراتهم التربوية متدنية·· وطبعًا نحنُ لا نجد في هذه الأعذار مبررًا للحط من مكانة المدرس، وإن أقررنا بوجود هذه السلبيات فعلاً في نسبة من مدرسينا·· ولكن المسؤولية لا تقع على عاتقهم فقط، بل على الجهات التي اختارتهم·· فآلية اختيار المدرس ينبغي أن تكون على أعلى درجات الدقة والعناية·· بل وأن تبدأ مبكرًا قبل الالتحاق بمراكز التكوين ؛ لضمان انتخاب وتأهيل أفضل الاطر للقيام بمهمة التدريس التي تعد ـ بلا منازع ـ أهم الواجبات في المجتمع ·· ثم يأتي بعد ذلك دور التقويم المستمر من أجل التنقية والترقية والتوجيه والتدريب ليكون المدرسون في المجتمع هم ـ كما ينبغي ـ القدوة السلوكية والنخبة الثقافية والطليعة نحو بناء مجتمعٍ قادرٍ على التقدم ومواجهة تحديات التنمية· وحتى لا يبقى المعلم وحده من يتحمل مسؤولية تدني المستوى التعليمي بدعوى تقصيره في العطاء · فالمعلم جزءٌ من سياسةٍ تعليميةٍ شاملة تحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة مستمرة·· أما الانتقاص من قدره، فلن يعالج هذه المشكلة·
إن التكريم الحقيقي للمعلم يتمثل في تحقيق المعاملة الكريمة التي تليق برسالته ومكانته، ثم توفير الظروف المناسبة له للقيام بعمله، ليس في يومٍ سنوي، بل على مدار دهرٍ عالمي·· واليوم الذي سيتحقق فيه ذلك سيكون حقًا : اليوم العالمي للمعلم·

05/10/2005
الإتحاد الإشتراكي 2004- جميع الحقوق محفوظة

Posted in Articles |


Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 176 articles | blog Gratuit | Abus?